محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
527
شرح حكمة الاشراق
والنّفوس المجرّدة ، أي : الكاملة بالعلم والعمل ، المواظبة على الرّياضات ، يتقرّر فيها مثال عقلىّ من نور اللّه ، ويتمكّن فيها نور ، روحانىّ ، خلّاق ، به يقدر على خلق بعض الأشياء . والعين السّوء هو لنوريّة قاهرة تؤثّر في الأشياء ، فتفسدها . واعلم أنّه لمّا ذكر سبب الخوارق الظّاهرة من الأنبياء والأولياء ، أراد أن يشير إلى سبب الخوارق الّتى تظهر من غيرهم . وهي ثلاثة أقسام ، لأنّ المقتضى لها إمّا أمر أرضىّ ، أو سماوىّ ، أو مركّب منهما . والأرضىّ - والمراد منه أجسام عالم الكون والفساد وما يتعلّق بها - إمّا أن يكون نفس الإنسان ومالها من الهيئآت ، أو لا يكون . فإن كان ، فهو كالإصابة بالعين ، والمبدأ فيها هيئة جسمانيّة معجبة تؤثّر في فساد المتعجّب منه بخاصيّة موجودة في نفس المتعجّب ، وتلك الخاصيّة هي النّوريّة القاهرة الّتى في المتعجّب . وكالسّحر ، لأنّه أيضا من تأثير النّفوس والأوهام ، إلّا أنّها شرّيرة ويستعملها للشّر ، بخلاف ما للعارفين ، وهذا قسم . وإن لم يكن ، فهو كالنّيرنجات ، والمبدأ فيها خواصّ الأجرام العنصريّة كجذب المغناطيس للحديد ، وهذا قسم ثان . والسّماوىّ فقط ، من غير اعتبار قابل أرضىّ يحصل له استعداد ذلك ، لا يكون مقتضيا لشئ في عالمنا هذا ، بل لا بدّ من انضمام أمر أرضى إليه ، بحيث يكون المجموع المركّب منهما هو المقتضى ، والخارقة الّتى مبدؤها ذلك هي الطّلسمات ، وهو ثالث الأقسام . وكلّ ما هو مبدأ لخرق عادة ، فلا بدّ وأن يكون داخلا تحت قسم من هذه الأقسام . وإخوان التّجريد تشرق عليهم أنوار . وذلك بعد خلاص نفوسهم عن العلائق البدنيّة والعوائق الجسمانيّة ومداومتهم على الرّياضات وملازمتهم للذّكر الدّائم . ولها أصناف ، فإنّ منها ما يرد على أهل البدايا ، ومنها ما يرد على المتوسّطين إلى آخر مراتب التّوسّط وأوّل مراتب المنتهين في السّلوك . ويختلف ورودها اختلافا شديدا بحسب اختلاف استعداد السّالك : فقد تكون مراتب الأنوار الفائضة من العقل على أهل البدايا والمتوسّطين على التّرتيب الّذى ذكره ، وقد تكون على